حسن الأمين
292
مستدركات أعيان الشيعة
تثقيفه بلغة القرآن . وثانيهما أن شعر الفرزدق رديء فيجب ان يتركه ويشتغل بالقرآن فذلك أعود عليه . وقد أثرت شخصية الإمام علي في الشاعر الناشئ تأثيرا عميقا . أزواجه وأولاده كان الفرزدق مزواجا مطلاقا يضطرب في عاطفته كما يضطرب في ميله السياسي لا يكاد يخلص لامرأة ولا تكاد امرأة تصبر على أخلاقه . يعيش مع زوجته مدة فيملها أو تمله فيطلقها أو تهرب منه فتدفعه إلى طلاقها ذكر من نسائه في الشعر الذي وصل إلينا اثنتي عشرة امرأة . ولكن أشهر قصة على الإطلاق في هذا المجال هي قصته مع ابنة عمه النوار ابنة أعين بن ضبيعة المجاشعي وكان علي بن أبي طالب ( ع ) وجه أباها إلى البصرة أيام الحكمين فقتله الخوارج غيلة ، فخطب النوار رجل من قريش ( وأهلها بالشام ) فبعثت إلى الفرزدق تسأله أن يكون وليها إذ كان ابن عمها ( وكان أقرب من هناك إليها ) . فقال : ان بالشام من هو أقرب إليك مني ولا آمن ان يقدم قادم منهم فينكر ذلك علي . فاشهدي انك قد جعلت أمرك إلي ففعلت ، فخرج بالشهود وقال لهم : قد أشهدتكم انها قد جعلت أمرها إلي واني أشهدكم أني قد تزوجتها على مائة ناقة حمراء سوداء الحدق ، فذعرت من ذلك واستعدت عليه وخرجت إلى عبد الله بن الزبير والحجاز والعراق يومئذ اليه . وخرج الفرزدق . فاما النوار فنزلت على خولة ابنة منظور بن زبان الفزاري امرأة عبد الله بن الزبير فرققتها وسالتها الشفاعة لها . وأما الفرزدق فنزل على حمزة بن عبد الله بن الزبير ومدحه فوعده الشفاعة له ، فتكلمت خولة في النوار وتكلم حمزة في الفرزدق فانجحت خولة وخاب حمزة . وأمر عبد الله بن الزبير ان لا يقربها حتى يصيرا إلى البصرة فيحتكما إلى عامله فخرج الفرزدق فقال : أما بنوه فلم تنجح شفاعتهم وشفعت بنت منظور بن زبانا ليس الشفيع الذي يأتيك مؤتزرا مثل الشفيع الذي يأتيك عريانا ويتنمر الفرزدق ويصمم على الظفر بالنوار لذلك لم يستمع إلى ابن الزبير حين قال له : ما حاجتك بها قد كرهتك كن لها اكره وخل سبيلها . فخرج وهو يقول : ما أمرني بطلاقها إلا ليثب . وخضعت النوار يائسة بعد أن علقت منه بحبل محكم العقد . ومكث الفرزدق زمانا لا يولد له فعيرته النوار بذلك فقال : قالت : أراه واحدا لا أخا له يؤمله في الوارثين الأباعد لعلك يوما ان تريني كأنما بني حوالي الأسود الحوارد فان تميما قبل أن يلد الحصى أقام زمانا وهو في الناس واحد فولد له بعد ذلك : لبطة وسبطة وخبطة وركضة من النوار ورزق من غيرها خمس أو ست بنات . على أنه لم يكن برا بأولاده ولا يظهر انه أحبهم الحب الوالدي الحق فلم يحبوه . وقد شكا عقوق كبيرهم في آخر حياته . ويجد الباحث صعوبة في معرفة عدد النساء اللواتي تزوجهن الفرزدق ويذهب عمر فروخ في ترجمته للفرزدق التي استند فيها إلى ما كتبه المستشرق الألماني يوسف هل عن حياة الفرزدق إلى أن أولى زوجاته كانت فتاة زنجية رزق منها طفلة سماها مكية . أما الفحام فيرى أننا لا نعرف متى تزوج الفرزدق زواجه الأول ولا عدد الأزواج اللائي رضين به قبل النوار ولكنه يذكر زوجة مفداة تلك الزوج التي أحبها الشاعر فبادلته حبا بحب وراح يتغنى بجمالها معتزا بما تكنه له من حب : فيا روضة وسمية رجبية خلت وتحامتها الرياح تحاميا بأطيب نشرا من مفداة موهنا إذا ما أرادت للضجيع تعاطيا ومهما يكن من أمر فان النوار تبقى المرأة الأبرز في حياة الفرزدق لا يخفي فرحته بمودتها : « خرجنا متباغضين ورجعنا متحابين . وخرجت حائلا ورجعت حاملا . وبدا له أن يبدل سيرته بعد زواجه منها وأن يقلع عن حياة السباب والفحش لينهج طريقا لا عوج فيه . فيرضي زوجه ويستجيب لنزعة الخير فيه فحج بالنوار أواخر سنة 65 هولما عاد إلى البصرة أعلن توبته وقيد نفسه وحلف ألا يفك قيده حتى يجمع القرآن وهو ما كان يحيك في صدره منذ مقالة الإمام علي لأبيه وكان يرى في ذلك طاعة تقربه إلى ربه وتغسل عنه آثامه : لعمري لئن قيدت نفسي لطالما سعيت وأوضعت المطية للجهل ثلاثين عاما ما أرى من عماية إذا برقت إلا شددت لها رحلي وقد نعى جرير على الفرزدق قيده حين نشب بينهما الهجاء وجعله مراءاة وكذبا . وكذلك قال له البعيث : لعمري لقد ألهى الفرزدق قيده ودرج نوار ذو الدهان وذو الغسل وكان البعيث صادقا في تصوير فرحة الفرزدق بالنوار التي طغت عليه وشغلته عن أشياء كثيرة . وأخذت تحل في مطلع قصائده . يحن إليها إذا ناى ويطرقه خيالها في الصحراء البعيدة . ولكن الأمور لا تستقيم له فقد كان صاحب فسوق لا يصبر عن النساء . أما النوار فكانت امرأة صالحة ترضى عنه حينا لتخاصمه أحيانا وكانت قرعه وتذكره انه تزوجها خدعة وتطالبه بطلاقها . ويصور لنا ما يعانيه إزاء هذا الواقع : لعمري لقد رققتني قبل رقتي وأشعلت في الشيب قبل زماني وأفصحت عرضي في الحياة وشنثه وأوقدت لي نارا بكل مكان . . . وأراد الفرزدق ان يتغلب على النوار التي كانت تضاره وان يغيظها ويذلها لتغدو طيعة منقادة تستجيب لرغباته ولكنه لم يسلك إلى ذلك الطريق الصحيح لأن النتيجة لم تكن كما توقع . فقد أقدم على الزواج من حدراء بنت زيق بن بسطام الشيبانية وكانت أعرابية نصرانية سوداء دقيقة الساقين مهزولة أو هكذا كانت في عيني النوار . ولكن الفرزدق رد عليها كما يرد الرجال فهو سليل المجد يتطلع إلى الشرف فلا يرى مناصا ان يفضلها عليها لأنها ابنة بسطام بن قيس ذي الجدين في بيت الشرف من شيبان ثم يغمز النوار التي كانت أمها أمة :